أحمد بن علي القلقشندي

232

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

نحمده فرادى ومثنى ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة كاملة اللَّفظ والمعنى ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي شيّد اللَّه به للدّين خير مبنى ، وأضحت الضّلوع على محبّته تحنى ، وثمار الخير مما بين روضته ومنبره تجنى ، وخصّه اللَّه بالشّرع المستقيم والدّين الأهنى ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة في الصدور لها سكنى ، وسلَّم تسليما . وبعد ، فإنّ أمّ القرى ، خير البلاد بلا مرا ، قد جعل اللَّه للناس إليها رحلة وسرى ، وهجروا في قصدهم إليها لذيذ الكرى ، ونصب فيها بيتا متين العرى ، وأنبع فيها بئرا مأوها يشفي السّقيم ويبرئ الورى ( 1 ) ، وجعل فيها للشّرف بيتا عالي الذّرى ، فأميرها المطاع ، من أهل بيت النّبوّة لا يخيّب ولا يضاع ، ذو همّة تخافها السّباع ، ويرهبها البطل الشّجاع ، يعدّ من الآباء أسلافا كراما ، كمصابيح السماء تجلو ظلاما ، وقد طيّب اللَّه مقامهم وأعلى مقامهم حين جاوروا مقاما . ولما كان . . . هو شريف العرب ، المعرق في النّسب ، الطَّيّب الحسب ، المحيي من آثار آبائه ما ذهب ، الشّريف النّفس : فلا يلتفت إلى العرض الأدنى من الرّقّة وأكَّد شكره الحرم وأهله ، وأثنى على صفاء سيرته الصّفا وعلى مروءته المروة إذ طاب أصله ؛ قد اقتفى في الكرم أباه وجدّه ، وأمّن سبيل الحاجّ من جهة البرّ ومن جهة البحر من جدّة . فلذلك رسم أن يفوّض إليه . . . فليحلّ البلد الحرام حاكما وآمرا ، وليستجلب له من العاكف والباد شاكرا ، وليحسن للطَّائفين والعاكفين والرّكَّع السّجود ، وليتّبع آثار آبائه أهل الكرم والجود ، وليؤمّن الخائف في تلك التهائم والنّجود ، وليردع الحائف عن حيفه فلا يعود ، وليعلم أنّه بواد غير ذي زرع ولكن فيه للبركات ظلّ ممدود ، وخير مشهود ؛ وبمكة مولد أشرف مولود ، وجدّه الحسن رضي اللَّه عنه فليكن حسن الفعال فكما ساد يسود ،

--> ( 1 ) من معاني الورى : القيح يكون في الجوف .